الأحد، 30 أبريل 2017

يرضي مين ده يا رب؟


كان يومًا تحالفت فيه كافة الظروف حتى تعطلني، اشتقت لنهايته وكأني أتبرع به لقسم الأيام المهدرة في العمر، لم أكن راضيًا عن شيء فيه، كنت أشتاق للجلوس وحيدًا والنوم كأهل الكهف.
وما أن رأيت الساعة أمامي تعلنها الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل، حتى قمت مسرعًا ألحق بآخر قطارات مترو الأنفاق، هذا القطار المستفز الذي يقف في كل محطة دقائق عديدة، أسمع فيها الإذاعة تناشد الركاب سرعة التوجه إلى الرصيف؛ من أجل اللحاق بآخر قطار.

كنت مجبرًا على هذا الخيار، فلسوء الحظ نسيت محفظة نقودي اليوم في المنزل، ولا أمتلك سوى بعض العملات المعدنية التي لن تساعدني في استقلال تاكسي؛ ما زاد من سرعة خطواتي المتجهة إلى مترو الأنفاق.

انتظرت القطار الأخير، وأنا أتساءل بيني وبين نفسي: «متى ينهي قطار العمر رحلته؟ لا أتذكر المحطة السعيدة في حياتي، فقطار عمري يعشق التوقف في المحطات الكئيبة، مللت صخب هذه الحياة وهربت منها إلى وحدتي وعزلتي التي كرهتني، وهؤلاء الذين أشتاق لهم لا أعلم أين أجدهم ولماذا أخذّتهم الحياة وتركتني وحيدًا مغتربًا رغم كوني لست في غربة!

تتغير الأغاني التي أسمعها في أذني ولكني لا أعطيها اهتمامًا، سمعت كل الأغاني ولكنها فشلت في إعادتي لنفسي، فقدَت الكلمات قيمتها في نظري، فكلمات البهجة والموسيقى الصاخبة فشلت في إدخال أي سرور على نفسي مؤخرًا، ولا أستخدمها سوى في نغمة المنبه حتى أستطيع أن أستيقظ وأذهب إلى عملي وأدور في دائرة الحياة المؤلمة من أجل بضع جنيهات فشلت هي الأخرى في جلب أي سعادة حقيقية إلى روحي.

أنظر إلى قُضبيّ قطار مترو الأنفاق، يذكراني بكل شيء كنت أريد أن أصل إليه وظل ماشيًا جانبي لا أستطيع أن أمد يدي وأنتزعه رغمًا عن الدنيا.. كثيرة هي تلك الأشياء التي لم أحصل عليها، كنت دائمًا أقول لنفسي ليس كل ما نتمناه ندركه ونحصل عليه، وأحيانًا أخرى كنت أرد على نفسي وأقول: «ده من خيبتي».

ويبقى السؤال الذي لم أستطع الإجابة عليه، هل الأقدار بيدي أم بيد خالقها؟ وهل كل ما أتمناه يجب أن أحصل عليه؟ ولماذا أبذل قصارى الجهد ولا يحالفني الحظ؟ ولماذا حرية الاختيار لا تكون سوى في الأذى فقط؟!

أخيرًا قطع المترو حبل أفكاري الذي يكاد يخنقني كلما بقيت وحيدًا، دخلت إلى عربة المترو التي كانت فارغة سوى من القليلين، جلست وتأملّت في وجوه الجميع؛ وجدت نفسي أصغرهم سنًا، وربما جميعهم يحسدونني على فترة الشباب، تلك المرحلة التي تحولت إلى لعنة تشبه صراع البقاء على قيد الحياة، جميعنا أصبحنًا كالثور المربوط في الساقية يلف ويلف وهو معصوب العينين، لا يرى سوى السواد ويضطر أن يكمل مسيرته التي لا يعلم لها متى ستتوقف، للأسف نستحق الشفقة لا الحسد.

هربت من التفكير المتمكن مني إلى مقالات جريدتي المفضلة، والتي أحملها في يدي دومًا في هذه المواصلات العامة، ورفعت مستوى الأغاني وانتظرت الوصول إلى محطة «السادات» حتى أترك القطار واستقل واحدًا آخر.

في أول محطة، ركبت طفلة صغيرة لا تتجاوز السنوات الست، ترتدي عباية مزرقشة لا تناسب سنها إطلاقًا، ويبدو عليها الإرهاق، ركبت وجلست أمامي إلى جانب أحد الركاب، توقعت أنها إحدى المتسولات وتذكرت «داليا».. الطفلة التي وجدتها تبيع المناديل في محطة القطار، وظلت عالقة بذهني أبحث عنها وعن ضحكاتها حتى فشلت في إيجاد حل لحياتها فتناسيتها تدريجيًا.

رفعت صوت الموسيقى أكثر واكثر، وقلت لنفسي: «أسمع الأغاني أحسن ما أسمع توسلات كاذبة منها أو من أهلها الذين حتمًا سيظهرون الآن»، ولكنهم لم يظهروا بل وجدتها لا تبيع المناديل ولكن تتحدث مع الشخص الجالس بجانبها ثم الرجل نظر لي وتحدث.

أوقفت الأغاني وانتبهت له عندما قال: «عاوزة تروح المنيب»، قلت له: «لازم تركب الخط التاني مش ده، ومش عارف الخط التاني قفل ولا لسه؟»، فتدخل ثالث وقال: «انزلي يا حبيبتي المحطة الجاية، ولفي عند الرصيف التاني واركبي، واوعي تعدي القضيب اطلعي من ع السلم».

كان القطار يدخل المحطة بينما الرجل لم ينه حديثه، نظرت على الرصيف المقابل ووجدت عدة أشخاص عليه؛ ما يعني عدم مجيء القطار الأخير حتى الآن، وتمنيت من كل قلبي أن تلحق تلك البريئة بقطارها حتى تذهب إلى ملاذها البائس المحتوم، وقف القطار في المحطة ونزلت الطفلة وجدتها تجري ناحية السلم وتنادي على شخص مجهول وتقول: «والنبي يا عم أروح المنيب منين».

كم تمنيت أن أنزل خلفها وأوصلها حتى محطتها، ولكن ما معي من مال لن يساعدني في العودة إلى منزلي متأخرًا، ملعونة هي تلك الظروف التي سلبت منك طفولتك، لم أعلم هل هي جائعة؟ وهل تعرف الطريق إلى بيتها؟ وهل لها بيت وأسرة أم يسيطر عليها مجموعة من البلطجية ويسروحنها؟ هل هي من تلك العاصمة المزدحمة أم من بلدة أخرى؟ هل هي بأمان؟

نزلت الطفلة وتركتنا نتبادل النظرات مستنكرين ما حدث، حتى كسر شخص الصمت وقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل.. بلد إيه دي بس.. يرضي مين ده يارب».

وحتى وصلت منزلي.. وحتى اللحظة التي أكتب فيها تلك الكلمات.. أتذكر تلك البريئة التي سكنّت روحي وأتساءل: «يرضي مين ده يا رب؟»

الأربعاء، 5 أبريل 2017

ربما وجدها في الأحلام

 «الوحدة».. ظلام عظيم امتد إلى جذور روحه، تمكّن من كل شيء داخله حتى أماته.
أماته، رغم تلك الأنفاس الباردة، الشهيق الممل والزفير الذي لا جدوى منه.

فقدت الحياة رونقها ومذاقها منذ غابت، فالغائبة كانت روحه التي شاركته كل خطواته، وانفردت بلقب «أول» كل شيء، حتى أصبحت أول غياب وأول رحيل وأول موت.

كان لواقع كلمة «الموت» أثرًا مخيفًا على مسامعه، كان يخشى الموت رغم ثقته في السماء التي لن تخذل عشمه، وكان دائمًا يصلي ويقول: «اللهم إني عشمان.. ومن خير منك أتعشم فيه يا مولاي؟»، ولكنه تمنى تأخر الموت حتى يأكل إلى أن يشتاق لشعور الجوع، ويشرب كثيرًا حتى يقهر هزيمة الظمأ، ويحبها حتى يتعلم الرسم ويرسمها على كل جدران منزله، ويعانقها العناق الحاني الطويل الذي يغنيه عن كل شيء، فيقرر الموت بين أحضانها.
ولكن فقد الموت هيبته منذ أن قررت هي الرحيل ووجد نفسه وحيدًا عاجزًا لا يملك سوى الدموع والذكرى، حينها فقط علم معنى الموت رغم الحياة.

ظن أن حياته ستستمر بعد رحيلها، ولكن اكتشف أن عقارب الساعة لا تحمل في حركاتها حياة، بل أدَمن التأمل في صوتها الرتيب، وظل ينظر لها وهو جالسًا على مقعده المفضل، يضع قدمه فوق الأخرى، يتخيل ملامحه بعد سنوات وقد تجعدت ملامح وجهه، وسقط شعره بالكامل، وانحنى ظهره قليلا، وتغير كل شيء فيه إلا قلبه الذي لن يصيبه الشيب أبدًا.

يبدأ يومه دائمًا بتذكرها، بعد أن يستيقظ على يوم جديد هي ليست معه فيه، يتحرك بخطى ثقيلة ويستمع إلى الموسيقى المفضلة لديهما، ويتحرك نحو حمامه ومطبخه ويحضر فطوره البسيط ويأكل على أنغام أغنياتها المفضلة، ويتساءل: «هل لازالت تسمع تلك الأغنيات؟ أم قطعت صلتها بكل ما يذكرها بي؟ أم تسمعها وتفكر في شيء آخر؟ أم لم تعد تسمع من الأساس مثلما لم تسمع توسلاته قديمًا؟».
وكالمعتاد لا يشغل باله بالبحث عن إجابة للاستفهامات المؤلمة، فهو يرفع شعار «لا أعباء إضافية»، والعبء الأكبر يتمكن منه ويلتهمه تدريجيًا، فأيًا كانت الإجابات؛ الحقيقة الواقعة أنها ليست معه الآن.

وما أن ينتهي من تناول وجبته الصباحية، يحضّر قهوته المفضلة، ويتذكر كم كانت تطمح دائمًا أن تعد له القهوة، ربما تذوق قهوتها من قبل وخيبت توقعاته لكنه ابتسم وقال: «لا بأس.. حتمًا سيأتي يومًا تتقنها».
يرتشف قهوته أثناء قراءة الجريدة الصباحية وتصفح كتابه الذي يقرأه هذه الأيام، وعادة ما كان يرجع إلى كتبه التي أنهاها ليعيد تصفحها مرة أخرى، ويتخيلها تمسك الكتاب ذاته وتقرأ سطوره بصوتها السريع ذو النبرة المنخفضة؛ يتأملها فلا يسمع سوى همهات، ويرى شفاه لم يخلق الله لأنثى مثلها، وقبضة يد تحكم على مقبض المقعد مثلما أحكمت صاحبتها على قلبه.
يقرأ ويقرأ ويندمج في القراءة ومع كل حديث لأبطال الرواية تظهر صورتها على صفحات الكتاب، يتخيلها ما إذا كانت في هذا الموقف ماذا ستقول، هل ستضحك ضحكتها البريئة التي طالما سكنت وجهها؟ أم ستنفعل هذا الانفعال الكاذب الزائل بعد ثوان؟ أم كالعادة ستطبق على شفتيها وتتحمل مزيدًا من الأعباء؟ أم ستنهار وتبكي وتزرف دموعًا لن يستطيع مقاومتها فيجذبها إلى حضنه رغمًا عن الكل والعيون.
يعلم أنها لم تعد تبكي كما كانت قديمًا، كثيرًا ما أشفق عليها من هذا التحول؛ البكاء رحمة تحرم نفسها منها، وما الغريب؟ فهي التي لم ترحم نفسها دومًا.. ولكنها رحمت الكل.
يعلم أيضًا أنها إذا بكت لن تبكي بين أحضانه، لن يضع يده بين خصلات شعرها ويمرر يده الأخرى على وجهها تمسح دموعها، وسرعان ما يزيل هموم التفكير الذي يطارده عن أذهانه، ويتمنى لها الخير فقط.. يتمنى أن تبكي إذا اشتاقت.. يتمنى أن ترحم نفسها مثلما شملته قديمًا برحمتها.

يستعد للذهاب إلى عمله، هذا المسرح الذي يصعد عليه لمدة 10 ساعات يوميًا يؤدي دور الموظف، يتناسى دائمًا التفكير فيها، ولا يشتهي أيًا من النساء الموجودات حوله، وكأنها في غيابها أشبعته عنهن جميعًا مثلما أشبعته عن كل شيء في وجودها، يصدر الأوامر ويوزع ابتسامات المحاباة ويرفع صوته ليتقمص دور القاسي المسيطر، وينظر كثيرًا في ساعته وكأنه سأم الهروب منها، ويتمنى العودة سريعًا إلى شعور الوحدة الذي ينتظره؛ حتى يعاود التفكير فيها مجددًا وتذكرهها بكل آيات الخير والمحبة والجمال.

يرتدي سماعات الأذن، ويغادر عمله، ويستمع إلى قصائد شعرية كررها على مسامعها مرارا وتكرارا، ويُشهد الله دومًا أنها أحبت الشعر من أجله، مثلما أحب هو الدنيا القاسية عليه من أجلها.

يعود إلى منزله، يرتمي بحضن الوحدة مجددًا، ويعتمد على أقل قدر من الإضاءة، ويقلب قليلًا في كتاب الصباح، ثم ينظر إلى التلفاز ويعاهد نفسه أن يفتحه غدًا ليعلم «ماذا حدث في البلد؟»، ولكن الغد لم يأت مثل الغد الذي تعاهدا فيه سويًا على اللقاء والعودة والتقارب مجددًا رغم الصعاب والظروف، ولم يأت أيضا.

يتجه إلى حجرته الخاصة، ويمسك بألبوم صورها الذي اعتاد على تصفحه دائمًا في نهاية الأسبوع، وكأنه يمثل «موعدًا غراميًا» معها يكافئ به نفسه بعد عناء الغياب والحياة لأسبوع كامل بدونها، ينظر إلى صورها القديمة والتي يعيد طباعتها كل فترة حتى يبث الروح مجددًا في نفس ألبوم الذكرى المقدس، وكأنه يصبّر نفسه بالقليل من الصور التي قد تحمل معها قليلًا من الآمال.


لم يعد يعلم هل يلعن الذكرى أم يقدسها؟ يقرأ خطاباتها السابقة، ويجتهد من أجل استعادة نبرة صوتها، ويغلبه البكاء دومًا، فيبكي كما لم يكن يظن نفسه باكيًا، يبكي السنون التي مضت، والفراق الذي حكم، والوحدة التي يعيشها، والعمر الذي لا يعلم كيف يمضي وهي ليست معه.
يبكي الغياب الذي احتل حياته، ويبكى الألوان الباهتة التي خيمت على كل شيء حوله، ويبكي الأهل والأصدقاء والرفاق الذين لم يتمكنوا من قلبه ويجبروه على التصبر أو النسيان.
يبكي كل الطرق التي قُطعت، والأبواب التي أوصدت، والأشعار التي لم تكتمل، والأحلام التي لم تتحقق، والمواعيد التي لم تأت بعد.
يبكي صوتها الذي افتقده، وأخبارها التي انقطعت عنه.
يبكي الحلم الذي اضطر آسفًا مرغمًا على قطع شرايينه وظل يشاهده يتألم وينزف ويغرق في دمه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ثم بكى حزنًا على رحيله!
يبكي ويبكي ويبكي، وكأن البكاء هو آخر قربان يمتلك تقديمه لها في الغياب.
يبكي، حتى يغلبه النعاس ويقول لنفسه: «قد تأتي غدًا»، ويرد شبح الوحدة على آماله: وماذا لو لن تأتي أبدًا؟
فلا يجد إجابة.. ويخلد إلى نومه، ربما وجدها في الأحلام.

الثلاثاء، 31 يناير 2017

كيف تكمل الكناريا «زقزقاتها» بعد رحيل سيد حجاب؟


رفض أن تتحول مصر إلى «وسية» وسهر معنا «ليالي الحلمية» وحذرنا من الدنيا الغرورة
رحل سيد حجاب عاشق «حلوة الحلوات»

كريم البكري

ها هي الحياة، تجبرنا على وداع أحد باعثي الأمل، وأصحاب الحكمة.. الرجل الذي عاش مواجها الطوفان، ورفض أن تتحول مصر إلى وسية، وسهر معنا ليالي الحلمية، وحذرنا من الدنيا الغرورة، مات سيد حجاب ونحن مازلنا ندُق بوابة الحياة بالايدين، مات سيد حجاب، وكيف تكمل الكناريا «زقزقاتها» بعد رحيله؟

طالما تمنيت أن يطيل الله في عمر الشاعر سيد حجاب؛ حتى يحظى بالتقدير المناسب له، ونحظى نحن بمزيد من كلماته التي شكّلت وجدان جيلا كاملا اجتمع أمام التلفزيون لا فقط ليشاهد مسلسله المفضل، ولكن ليستمع إلى كلمات سيد حجاب في كل بداية ونهاية.

مات سيد حجاب زاهدا، لم يكن من هواة الظهور الإعلامي أو الجوائز الكاذبة، لم يكن ساعيا لمنصب أو متاجرا بكلماته، لم يستسلم للتشاؤم أو الحزن، ولم ينضم لزمرة لاعني الزمن، بل نسج من كلماته ثوبا دافئا حكيما كلما ارتديناه اشتممنا رائحة مصر، وتعجبنا من فلسفته الخاصة، ورددنا كلمات أغنياته مثلما نردد الأمثال الشعبية.. مات سيد حجاب بعدما أوجز وأنجز ورسّخ كلماته داخلنا.

أسس «حجاب» مدرسته الخاصة في الكتابة، المستندة على بساطة المواطن المصري، والمستنتجة من أوجاعه وهمومه، والراغبة في الطبطبة على قلبه.
حذرنا من السواد والطمع والعناد، وأرشدنا لطريق الرضا، ووقف في وجه الزمان سائلا: ليه مسيبتناش أبرياء؟
وكرر نداؤه في مسلسل «الوسية»، فنحن من «جينا إلى الحياة زي النبات أبرياء – لا رضعنا كدب ولا اتفطمنا رياء - طب ليه رمانا السيف على الزيف؟ وكِيف نواجهه غير بالصدق والكبرياء»، مات سيد حجاب ونحن لازلنا نبحث عن الصدق والكبرياء.
وأوصانا بالمحبة في مسلسل «الشهد والدموع» فقال: «المحبة تفجر الروح فـ الجماد – وبمحبة قلبي هقدر ع الليالي» تلك المحبة التي لم يبخل بها العظيم، وجدناها واضحة جلية في كلماته، ونظراته الصادقة، ونبرة صوته المنخفضة، ووجهه المحمل بهموم غلبتها الابتسامة دائما وأبدا.
لم يكن مجرد شاعر يقدم كلاما مقفيا، ولكنه كان صديقا للقارئ، خاطب شيئا داخلنا جميعا، ورسم على وجهنا ابتسامة، وأجبر العين على البكاء تأثرا به وحزنا على رحيله، ومثلما صادقنا أوصانا على الأصدقاء عندما قال: «آدي يدي مد يدك – يا صديقي قلبي ودّك – ده انت بعد الأهل أهلي – وإن في يوم قلبك ندهلي – هتلاقيني بقلبي عندك – يا صديقي مد يدك»، فكانت دائما يده تنتشلنا من بحار الأحزان، وأشعاره ترافقنا في كل الدروب.
ولم يتعال على القارئ، بل ألقى له دومًا بحبال الأمل والتفاؤل، وقدم له روشته العلاج من الخداع، فكتب: «يااللي اكتشفت إن انت عشت في خداع – وإن ماضي العمر ع الفاضي ضاع – إياك تقول "ملّيت يا دنيا وداع" – ليل الجراح راح – والصباح بعدين وكلنا شاهدين».
سيد حجاب كان مصريا حتى النخاع، ومحبا لوطنه ولثورته ولشعبه، وتغزّل في مصر الصبية الجميلة، ووضع يده على مواطن جمال غائبة عن أعيننا، لم ترصدها سوى بصيرته.

وافتخر بوطنيته ومصريته وعشقه لتراب البلد، وكان حبه للوطن «طوق نجاة لولاه يضيع قلب المُحب الوديع»، ويجهر بعشقه للبلد ويصرخ: «يا حلوة يا بلدنا يا نيل سلسبيل – بحُبك انتِ رفعنا راسنا لفوق».

رحل سيد حجاب عاشق «حلوة الحلوات»، المتأمل في «الوادي والبوادي والبحور والقصور والمواني»، والحالم بـ«دنيا تانية ومصر جنة»، مات من «يطوي الأنين بالحنين».

عاش سيد حجاب شاعرا على باب الله والوطن والناس، ومات مرحوما من الله منتميًا إلى الوطن معشوقًا من الناس، ها هي مركب العمر ترسي بالكاتب العظيم الذي قال: «مين وابن مين؟ الحياة ميهماش أصلك – أصلك بفعلك تواصل فعله ويواصلك»، مات بأفعاله التي ستظل حية، وقصائده التي ستبقى نقاطا مضيئة لا فقط لجيل جديد من الشعراء، لكن لأجيال سترتوي من حكمة وإنسانية سيد حجاب.

«وينفلت من بين ايدينا الزمان - كأنه سَحبة قوس فى أوتار كمان - وتنفطر الأيام.. عقود كهرمان - يتفرفط النور.. والحنان.. والأمان»، وها هو الزمان ينفلت من ايدينا، ونودع عقد الكهرمان، الذي طالما نشر بيننا النور والحنان والأمان.. يا بخت الموت بيك يا عم حجاب.

الجمعة، 4 نوفمبر 2016

72 ساعة نقاهة


لم أكن أعلم في هذا الظلام الدامس أنكِ لن تكونِ النور..
لم أكن أعلم في هذه الوحدة القاسية أنكِ لن تكونِ الوَنَس..
لم أكن أعلم أني عليّ الخروج من بحر الأحزان دون أن تكونِ طوق نجاتي..
لم أكن أعلم في هذه اللحظة.. أنكِ لستِ من حقي.


عزيزتي..
الظروف قاسية، والدموع لم تعد دواء، والبكاء أصبح بديلا لمكالماتك الليلية، ها أنا ذا أجلس في ظلام غرفتي، أستمع لموسيقى موتسارت وأرى هموم الدنيا أمام عيناي، أتذكر كل ما لا يجب تذكره في هذه الحين، لقد تمّلك الحزن مني، وسكن الهم بين ضلوعي، وشعرت أني أتنفس بصعوبة، وتركت الدمع يأخذ طريقه ومصيره دون محاولة تجفيفه..

ليا مين غيرك يا قلبي ليا مين؟


كنت تائها وأريدك دليلي، كنت مريضا وأريدك طبيبي، كنت محتاج وأريدك حاجتي.. كنت أنا ولم تكنِ أنتِ

تراكمت أمام عيناي المآسِ، ونبرة صوتك المميزة تتردد في أذناي، تذكرت لقاءنا سويًا عندما ألقيت برأسي على صدرك، وظللت صامتا متشبثا بكِ.. تذكرت يداكي التي أحاطت بي وداعبت خصلات شعري.. تذكرت نبضات قلبك التي طمأنتني كأنها تنبض داخلي.. تذكرت همساتك وأنتِ تقولين: «مالك يا حبيبي».

تذكرت قبلاتك الرقيقة على يدي، وعِناقنا الذي عجز الوقت عن معرفة مدته، وعجزت الكلمات عن كشف براعته، وعجزت أنفسنا عن التخلي عنه.

تذكرتك يا ملاذي.. تذكرتك رغم أني سبب بُعدك وحزنك.. تذكرتك وأنا الذي طالبتك بالابتعاد.. تذكرتك وأنا من تركت الظروف تقصيكي خارج حياتي، تذكرتك وتذكرت كم أنتِ عظيمة وراقية.

لم أتردد في المسك بهاتفي المحمول، والاتصال بكِ.. 11 رقما تحمل أملا في الخروج من النفق المظلم الكئيب.. سأخبرك يا حبيبتي عن كل شيء.. سأشكو لكِ الدنيا، سألعنها تلك الظروف التي أبعدتني عنك.. سأوبخ نفسي مرارا وتكرارا وأطلب السماح، وأنتِ بالطبع ستسامحين مثلما اعتدتك.

«لا يوجد رد».. لن أيأس، فهذه هي القشة التي أتعلق بها، ولكن مجددا «لا يوجد رد»، سأحاول مجددا ثم مجددا وحتمًا سترد.

ها هو صوتها يطمئني.. أنا لست وحدي في عالمي الكئيب، أخيرًا أشعر أني لازلت على قيد الحياة..
           (وفي وسط موجة غضب.. رمالي نجمة وطوق) أنغام – في الركن البعيد الهادي
- ألو
- أزيك عاملة ايه؟
- الحمد لله ازيك يا كريم
لم أستطع الرد.. إنني لست بخير يا صديقتي، أعلم أنكِ لستِ من حقي الآن، وها أنا أختلس المكالمة وكأني أختلس شيئا ليس من حقي، أعلم أنكِ ربما تكونين ملكًا لغيري الآن، ولكني لست بخير.. حبيبك محتاجلك طمنيه..
لم أستطع تحمّيلها بما ليس لها طاقة به.. قلت بكل ثقة وسرعة:
- أنا كويس الحمد لله.. انتِ عاملة ايه؟
- ردت باقتضاب وغضب شديدين: كويسة الحمد لله
- قلت لها بارتباك: أنا بكلمك أسلم عليكي علشان.... (وقمت بسرد كلمات لا أتذكرها) لقد خشيت تحميلها بآهاتي وأوجاعي..
لم أستطع جرحها بأوجاعي، فهي لن تشمت فيّ ولن تتشفى في ضعفي، ولكنها ستشعر باحتياجي لها ولن تبخل عليّ، لكني أخشى عليها من الوجع، كفى ما سببته لها من أوجاع..
- ردت بثقة: «ربنا يوفقك يا كريم»
وكأنها تدعو لي بالتوفيق في حياتي دونها، ولكن أي توفيق يا جميلتي سيلازمني بدونك؟ فأنتِ التوفيق والرحمة والمحبة والعالم بأسره.

لم أجد كلاما أقوله بعد الثوانِ المعدودات التي تحدثنا فيها سويا، وسرعان ما بحثت عن أي مدخل للكلام، كي أمد في عمر راحتي دقائق إضافية.. أريدها.. أريد أن أبكي وأرتمي بأحضانها.. أريدها وأريد كل ما فيها.. أريدها وأريد كل تفاصيلها.. أريد صوتها الحنون، أريد دموعها الصادقة التي تغسل روحي من الداخل، وكلماتها الطيبة التي تطيب جروحي الداخلية، أريد سماع صوت أنفاسها البطيئة الواثقة المستشهدة بكل خير جمعنا في يوم ما.. أريدك يا حبيبتي.

قلت لها: ليه لما بكلمك مش بتردي؟
لترد بمنتهى القوة: «كان الموبيل في ايدي لكني مردتش، مش عاوزة أتكلم معاك».

ها هو الأمل الأخير ينتهي.. ها هو شريان العطف ينزف القطرات الأخيرة في دمائه، والألم يقترب لي حاملا سوطه ولهيبه.. لن أعاتبها، فقلبي لن يتحمل المزيد..

قلت لها في تصبر: «حقك.. انتِ مش بتاعي.. حقك وأنا اللي عملت فينا كده.. حقك.. وشكرا واسف اني اتصلت».
برقتها المعهودة شعرت في صوتي بنبرة كتمان البكاء لتسأل:  «انت كويس؟»
وأرد بثقة كاذبة: «كويس جدًا.. ولكن؟»
وهنا خانتني دموعي، وانهمرت، رافضة التماسك أكثر من ذلك..
لأكمل حديثي باكيا: «أنا حرمت نفسي منك»
وها هي ترد قائلة: «كريم انا بتعب لما بنتكلم، ربنا مصبرني في بعادك، ومقويني في الحياة من بعدك.. مش عاوزة أسمع صوتك كده».
أنهيت المكالمة سريعا مرددًا: «ولا يهمك.. أنا تمام جدًا.. المهم خلي بالك من نفسك، ومش هتصل تاني.. صدقيني مش هتصل تاني»، وأغلقت الخط بعد تبادل السلام السريع، وأنا أكررها لنفسي «صدقيني مش هتصل تاني».


الدنيا تمارس هوايتها المفضلة في إعادة المشاهد مرة أخرى ولكن مع تغيير الأبطال، فهي من بكت كثيرًا وأنا من كنت أمسك الهاتف ولا أرد على اتصالاتها، واليوم أنا أبكي وحدي وهي كما تقول «مرتاحة من غير مكالماتي».

وانتهت المكالمة، وكلماتك تتردد في أذناي، لم أجد لنفسي ملجأ سوى النوم.. نمت ودعوت الله كثيرًا ألا أحلم بها..

24 ساعة.. الأولى
نمت كثيرا، ولم أحلم بها، ولكن هذا لم يمنعني من تذكر كلماتها المؤلمة، وتوبيخ نفسي كثيرًا لما فعلته في حقها، استيقظت من نومي التعيس، محاولا عدم التفكير فيها.. ولكني فشلت
فالحنين تمكّن ومارس سلطته عليّ، وسخّر كل ما داخلي من مشاعر لخدمة أغراضه والتفكير فيها.
تحركت إلى صندوق ذكرياتي الذي أحتفظ فيه بكل خطاباتها السابقة، وبعض القصائد التي كتبتها في حبها، والهدايا التذكارية التي تعاهدنا في الماضي على اصطحابها إلى منزلنا وعدم التفريط فيها إلى الأبد.. وأمسكت ببعض أوراق..

الورقة الأولى
كانت عبارة عن كلمات أغنية «الأماكن»، مجرد كلمات الأغنية دون أدنى تعليق أو توقيع منها، تذكرت هذه الورقة التي أرسلتها مع صحبة رقيقة من الورود، وإهداء رقيق، في محاولة لبناء جسر تواصل بنا، بعدما قررت أنا الابتعاد وكتابة كلمة «النهاية» لعلاقتنا.. ولكني كالعادة فشلت..
ها أنا يا حبيبتي وحدي في تلك «الأماكن» ولكنها هي المشتاقة لكِ اليوم.

الورقة الثانية
كان خطابا رائعًا كما المعتاد، قرأت سطوره وأنا أسمع صدى صوتها في أذناي يردد نفس الكلام، أقسمت في هذا الجواب أنها لم ولن تحب غيري، ولن أجد من يحبني مثل حبها لي، وأكدت على فخرها بشخصي وبكل تصرفاتي الهادفة لتوطيد علاقتنا، وأبدت سعادتها بعودتنا للتحدث مجددا بعدما فشلت في كتابة كلمة «النهاية» لعلاقتنا.

الورقة الثالثة
كانت عملات ورقية من فئة 50 جنيها و20 جنيها، تحملان توقيعها، وتاريخ اليوم، تذكرتها ذلك اليوم وهي ممشوقة القوام في زيها الأسود، وشعرها الطويل الواصل إلى نهاية ظهرها، وتذكرت الشوكولاتة المحببة إلى قلبي التي قدمتها لي إهداءً رقيقا.. وكانت تلك العملات هي "رهانا" بيننا.. أسوأ رهان فزت به في حياتي، فلقد راهنتها على البكاء، وأقسمت أني أستطيع أن أبكيها بكلمات قصيدتي التي كتبتها في بُعدي عنها وأنا محاولا كتابة أحد فصول نهاية قصتنا، وبالفعل قبل أن أصل إلى نصف القصيدة وجدتها تبكي بكاء شديد، وكأنها نادمة على كل لحظة ابتعدنا فيها عن بعضنا البعض..
اليوم يا عزيزتي أشعر بكِ أكثر، لأني في نفس موقفك، فتاريخ توقيعك على تلك العملات يؤكد لي أني أهدرت فرصة لن تتكرر في حياتي المقبلة.


الورقة الرابعة
كان أحد خطاباتك العذبة المعهودة، وكان مكتوبا على ورق أحمر اللون، لم أبالِ شيئا بالخطاب ولكني قرأت الكلمات المكتوبة في نهايته، وهي كلمات أغنية «قلب واحد»
«قلب واحد مش كفاية لحبي ليك، انت محتاج ألف قلب يحس بيك» (مدحت صالح)
وقلب واحد يا حبيبتي مش كفاية لكي يحتوكي، ودموع العينين مش كفاية لكي تدمع فراقك، وألف حضن مش كفاية للتعبير عن احتياجي واشتياقي لكِ.
يبدو أن علاجي ليس في الذكريات، فكل الذكريات تذكرني بمحاولاتي المستميتة لكتابة كلمة النهاية لعلاقتنا، كل الذكريات تزيدني ألما، وأنا منهك القلب، أنا الشريد والتائه واللاجئ والضعيف والباكي والمسكين، أنا لا أتحمل المزيد يا حبيبتي..
حاولت التفكير في كل شيء، ولكني لا أصدق أنك أغلقتي الأبواب بوجهي، ولا أصدق أن النهاية كُتبت بيدك هذه المرة.. سأنام مجددًا، فالضعيف مثلي ليس له ملجأ سوى النوم.
«كان فاضل بس يادوب، إني ألبس توب، بالدنيا وأتوه عنك.. لكن قلبي المغروم، بيخاف ليتوه، في ليالي الشوق بعدك» (محمد منير)

24 ساعة.. الثانية
حِدة الصدمة في طريقها للزوال، كل كلمة قرأتها في خطاباتك يا عزيزتي ذكرتني بمواقفي معك، اكتفيت بجَلد نفسي، ورفضت تحقير ذاتي أكثر من ذلك..
أمسكت بورقة وقلم.. ووجدتني أكتب توثيقًا لمواقفك السيئة التي خذلتي ثقتي فيها، والتي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في التقليل من شأني..
كتبت عن مسلسل الأكاذيب الذي استمر عرضه طيلة علاقتنا، وعن التضحيات التي لم تقدريها، وعن كل خطوة مشيّتها في طريق إسعادك وقابلتيها ببرود، وعن كل اتهام ظالم اتهمتني به.. فأنا لم أكن متسلطا ولكني كنت عاشقا وأنتِ لم تقدري عشقي؛ لذا فلتحرمي منه وتعيشي الحياة بدونه.
أنا لا أستحق هذا الجفاء يا عزيزتي، لا أستحق هذه المعاملة القاسية.
أكم من مرة تناسيت خلافاتنا من أجلك؟ أكم مرة بكيت حزنا على بكائك؟ لقد كنت سندك في كل خطواتك يا عزيزتي، اهتمامي بكِ أنساني اهتمامي بنفسي، وضعت نجاحك صوب عيناي، ووضعت شخصيتك داخل قلبي، واعتبرتك استثماري الحقيقي في الحياة.. وأنتِ خذلتيني مرارا وتكرارا..
أنتِ من خسرتي تواجدي في حياتك، أنتِ الخاسرة، وإذا لم أجدك بجانبي في محنتي، حتمًا سأجد من يساندني..
إذا بخلتي عليّ بالتواجد، فالله لن يبخلي عليّ بالتصبر، والحياة لن تبخل عليّ بالسلوى.. شكرًا يا عزيزتي.
«فرأيت أنك كنتِ لي قيدا حرصت العمر ألا أكسره فكسرتهِ، ورأيت أنك كنتِ لي ذنبا سألت الله ألا يغفره، فغرفته».

24 ساعة.. الثالثة

«واكتئابك رد بابك
سيبت كل الناس وغِبت
واللي سابك اسمه سابك
انت عمرك يوم ماسِبت
قهوة تاني
وانسحابك للصور علشان تعاني
ناس كتير ف الصورة مشيوا
وانت مجني عليه وجاني
 تكتشف إنك كإنك كنت منك توهت فيك
 ثم تفهم إن بكره باب وأُكره هييجي بيك» (عمرو حسن - قصيدة الفراشة)

استيقظت، وأمسكت بهاتفي المغلق منذ يومين، لأفتحه، وأجد رسائل الاتصال تتوالى خلف بعضها البعض، وكأنها تشعرني بأهميتي لدى البعض، وسرعان ما تنصبّ عيناي على تاريخ اليوم، لأكتشف مرور يومين بالتمام والكمال على مكالمتك الأخيرة يا عزيزتي.. الوقت استمر في ترحاله، ولماذا توقف الزمن بي عند كلماتك؟

بعد حمام الصباح الدافئ، والقهوة السعيدة، وقطع الشوكولاتة المبهجة، وقفت بين ايدي الله، لأصلي..
الله أكبر..
بسم الله الرحمن الرحيم، بسم إله الرحمة والعطف والسماح، بسم خالق كل شيء مبهج، بسم باعث الطمأنينة في قلوبنا آجمعين، بسم من أبدع في خلقها، وزرع الطيبة نباتا يتغذى على أنفاسها، وجعل دقات قلبها ترنيمات سلام أبدية في حياتي، بسم من أكرمني بمعرفتها، ولم يوفقني في الحفاظ عليها.
الله أكبر..
سبحان ربي الجميل، سبحان ربي الرحيم، فلتغفر لي يا الله إن كنت جارحًا، ولتسامحني إن كنت قاسيا في نقدي، أنت الأعلم بحرصي عليها.. فلتسامحني يا الله إن أضعتها من يدي، ولتعوضها بمن يحرص عليها أكثر مني، ولتجعل الصبر والتوفيق رفاقها في رحلتها، ولتمنحني الصبر من بعدها، وأن تبعد الشيطان عن طريقنا؛ حتى نظل متذكرين بعضنا البعض بالخير.. بالخير والمحبة والمودة والرحمة يا أرحم الراحمين.
الله أكبر..
سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعظم، سبحان ربي الأكرم، يا معين يا الله، أخشى الطريق دونها، وأخشى عليها من وعورة الطريق وقسوة الأيام، ولكني أثق ثقة عمياء في حكمتك، أنت تحبها مثلي يا الله، فكن معها، كن معها بكل لحظة، كن معها دائما في اختياراتها وخطواتها وخططها ونجاحاتها وإخفاقتها ورفاقها وأوقاتها، كن معها وإن كان الخير لنا سويًا فالحقنا ببعضنا البعض على خير.
الله أكبر..
السلام منك يا الله، والإيمان بك يا الله، والعودة إليك يا الله.. لا أعلم متى سأراها أو سأسمع صوتها، ولكن حتمًا صلاتي ستصلها، سأصلي لها دائمًا وسأدعو لها بالنجاح والسداد بدوني، سأتمنى لها الحياة مع من تختاره بعدي، ارحمها يا الله من عواصف الحياة القاسية، ارحمها من كل دوامات القدر، واجعلها تتذكرني بالخير يا الله.. آمين

ها أنتِ يا عزيزتي من كتبتِ النهاية بيدك، ربما أكون شريكًا في هذه الكتابة ولكني حتمًا سأتلم بدونك..
3 أيام مضت بعدما قرأت كلمة النهاية بخط يدك، وتلاعبت بي الذكريات، وها أنا اليوم أستطيع التنفس جيدًا، وأبدأ طريق جديد في حياتي بدونك، بغض النظر عمن فينا المتهم الرئيسي، وبدون إلقاء أسباب فشل علاقتنا على شماعة الظروف، فجميع الطرق تؤدي إلى نفس النهاية.. وهي البُعد.
لقد احتجت 72 ساعة نقاهة حتى أستطيع الوقوف مجددًا والتنفس بشيء من الراحة، ولكن ثقي يا حبيبتي أن العمر كله لن يكفني حتى أنساكي.

«هي دموع ولا أكتر
هو فراق ولا أكتر
لو على سبب البعد حبيبي
قلبي كبير ومقدر
إننا ياما حاولنا
نكسب بس خسرنا
واتحكم في مصيرنا
شيء اسمه المتقدر» (واما - هي دموع ولا أكتر)






السبت، 13 فبراير 2016

5 مشاهد لم يكتب لها النشر

مشهد 1
ــــــــــــــــــــــــــــ
22 درجة.. هي عدد سلمات منزلنا الحبيب التي لا أشعر بها على الإطلاق، ودائمًا أردد بعض الأغاني المفضلة لي.. وهذا اليوم الذي دخلت فيه مندفعًا أغني
«فينك.. بيني وبينك أحزان ويعدوا.. بيني وبينك أيام وينقضوا»
لأجده فجأة جالسا في إحدى زوايا السلم.. يبدو أنه سقط؟ أو ربما جلس بخاطره يستريح..
اعلم أن درجات السلم أصبحت عبئا عليه بعد المرض، دائمًا أجده متكئا على عصاه يستقوي بها على لعنة هذا السلم..
لا أعلم ماذا أفعل.. أخشى أن أمد له يدي فأكسر داخله هيبته أمامي.. وأخشى أن أتجاهل الأمر فيشعر بقسوتي.. ولكن لا
هو لن يظن في القسوة.. كيف أكون قاسيا وانا من تربيت على حنيته التي ربما أخفاها خلف قناع من العصبية.. أنا لن أكسره فهو أقوى من أمد له يدي.. هو أقوى من المرض ذاته..
فجأة رحمني من تلك التساؤلات وأشار لي بالصعود وحدي.. لأصعد مكملا: «شجر الليمون دبلان على أرضه» وأنا أقول لنفسي.. كل أشجار الدنيا ذبلت مع ذبولك.
مشهد 2
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ظللت أنظر إلى قطرات الدم وهي تسقط في الأنبوب البلاستيكي الطويل، المؤدي إلى وريده؛ في محاولة لنقل دم جديد لجسمه، ربما يحمل آمال أخرى في أنفاس جديدة تضاف إلى عمره..
بطيئة تلك القطرات.. كأن الإنسان لابد أن يتعب ويصبر في سبيل التعلق بتلك الحياة.. ترى هل هو متمسكا بتلك الحياة؟ أم أنه يجري روتين لابد منه؟
كنت ألتمس فيه الصبر والتفاؤل مع كل نقطة، كنت ألمح عينيه وهي تنظر إلى كيس الدم وكأنها تناشده في أن يحمل الخير لجسده.. ولكن نظراته كانت فاترة بعض الشيء؛ كأنه يعلم أن لا مفر من المصير المحتوم والمرتقب..
أنا أشفق عليه من حديثه مع نفسه.. أشفق عليه من الصبر.. وأشفق عليه من الألم.. وأشفق عليه من النهاية.. وأشفق عليه من إِشفاقه عليّ
وفجأة خطف نظرته إلىّ.. ورحمني من تلك الهواجس قائلا: «انزل شوف مكان تصلي فيه العصر يا كريم».
حقا أنا في حاجة للصلاة.. فالدعاء هو الحل الوحيد.. والرحيم هو صاحب القرار..
فليقضي الله أمرا كان مفعولا.
مشهد 3
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ها هو يجلس في مقعده المخصص، أعلم أنه يتناول علاجا سيزيد من وزنه قليلا، ولكني افتقد صورة وجهه وهو ممتلئا بالدماء.. وتنيره الابتسامة..
ركضت نحوه كأني طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره.. جريت تجاهه متجاهلا كل الحضور... لأقبّل يده وارتمي في حضنه..
لا أدري ماذا سأفعل عندما ينتهي مفعول جرعة العلاج الأخيرة ويطل علينا شبح المرض من جديد؟ فليخفف عنك المولى يا رفيق
مشهد 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقفت أمام المسجد بعد صلاة الجمعة منتظرا خروجه، أبحث عنه في كل الوجوه، أنتظر أن أراه...
ترى هل سيخونني الحظ ويخرج من الباب المطل على الشارع الآخر؟ لا أعتقد أشعر انني سأراه هنا
تُرى هل خرج من المسجد دون أراه؟ لا يمكن سأشعر بوجوده وسط المئات من البشر..
ها هو يمشي بجوار السور.. مستندا على عصاه ومتجها للمنزل.. جريت نحوه وقبّلت يده واحتضنته.. لأجده يتعلق في يدي ويستند علي
ويقول بصوت خافض: «الحمد لله إني لقيتك»
وأقول بعده في سري: «الحمد لله إنك لقيتني.. زي ما أنا طول عمري بلاقيك»
وأخشى من هذا اليوم الذي لن أجده فيه
مشهد 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت أتوقع أنني أضعف من أن أراه بعد أن فارقته المنية، لن أراه جثة هامدة، لا أتوقع أنني سأتحمل هذا المنظر.. لا أريده أن يحفر في ذهني..
ولكن عندما دخلت حجرته حاولت أن اتجنب النظر له ولكني لم أستطع.. فتوجهت له ومسكت بيده ودققت النظر في وجهه.. لأشعر أنه مستريحا ومطمئنا ويكاد يكون مبتسما..
الوداع.. أستودعك الله.. لا تقلق عليّ.. هتوحشني
وبين تلك المشاهد عشرات المشاهد التي لم ولن يكتب لها النسيان.. كيف أنساك وأنت بداخلي

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

من لا أعلم اسمها


أعشق اليوم الذي أستيقظ فيه شاعرًا بالراحة والأمان والرضا والنشوى، أعشق الأحلام التي لا تعكر صفو مزاجي، ولا تذكرني بمشكلات الواقع، أعشق تلك الأحلام التي تجذبني رويدًا رويدًا في تفاصيلها، حتى أشعر لوهلة أن الحلم كان حقيقة.. أعشق الأحلام التي تترسخ في ذهني بإيجابية وتنسيني هموم الواقع ولو لفترات بسيطة.. أعشقها تلك الأحلام.

واليوم استيقظت غارقا في حالة من النشوى.. لأسأل نفسي: "لماذا لا تحدث مثل هذه الأحلام في الحقيقة؟ لماذا كل ما هو جميل ورائع أجده حلما في النهاية؟

لا أذكر جيدًا المكان، أو الوقت الذي التقيت بها فيه، أو آلية التعارف، كل ما أتذكره أننا التقينا فجأة وجهًا لوجه، جذبتني ابتسامتها، وجمالها الرائع، وبساطة تفاصيل وجهها، وجسمها الممشوق وطولها، وكانت أول كلمة نطقت بها: «خليكي معايا النهارده»
وهي رحبت باقتراحي مبتسمة.

لن أنكر أن غرائزي حركتني تجاهها، وجدتني أضع يدي على خصرها وأتحسس جسمها، في ظل لا مبالاة منها، غمرني شعور بأني مقبل على علاقة جنسية فريدة، مع إنسانة من أجمل ما تكون..

جلسنا على مقعد خشبي في وسط ميدان صاخب، توقعت أنها اختارت هذا المكان لتحتمي بالبشر من شهوتي الجنسية.. ولكن الوحش الحيواني الذي بداخلي لم يهدأ، وظللت أحرك يدي على شعرها وظهرها وخصرها، وأنا لا مبالي بالزحام والضجيج وعيون الناس الموجودة حولنا.

واتخذت قراري بأن ألمس جسدها بيدي، فمررتها حثيثا من أسفر ردائها، إلى أن لمست ظهرها، وهنا كان أول رد فعل منها، وجدتها ترتمي داخل حضن وتتعلق بي مثل الطفلة، وتضع رأسها على صدري وتتشبث بي كأني فرصتها الأخيرة في الحياة.

كان هذا الحضن أبلغ من كل الكلام.. أزحت يدي عن جسدها تدريحيا، ووجدتني أضمها أكثر إلى حضني، وأداعب خصلات شعرها في رقة، وأسألها: «انتِ زعلتي مني»
لترد باختصار وفي رقة: «لا.. انا عاوزة أفرحك يا كريم»

أشعلت تلك الجملة جوارحي، وعواطفي تجاهها، فأنا في حياتي من يحاول إسعادي... حتى إذا كان على حساب ضيقه.. كل ما فعلته هو اني تمسكت بها أكثر، وتناسيت الميدان وعيونه الموجودة حولنا،

وظللنا فترة صامتين.. إلى أن قطعت الصمت بكلمة: «اتكلم»
فتكلمت.. تحدثت كثيرا.. خلعت كل الأقنعة أمامها.. ظهرت كما أخشى أن أواجه نفسي
حدثتها عن فشلي في علاقتي بربنا، فأنا أعشقه، أحبه لدرجة الخجل، ربنا الذي ساندني ودعمني وأنقذني ومازال ينقذني، ووفقني في أغلب خطواتي، وكان رحيما في عقابه لي وتصحيح مساري.
حدثتها عن أبويا.. الذي أتجنب دوما الحديث عن الألم المحفور في داخلي بعد رحيله، دائمًا أظهر صلبا قادرا على تحمل الظروف، أظهر مبتسما راضيا مقتنعا، لكن في الحقيقة أبويا وحشني أوي.
حدثتها عن الغرور الذي يتملكني كثيرا، وإحساسي بالتعالي على أصدقائي رغم أن كل شخص فيهم يمتلك عشرات الأسباب التي تجعله يجد نفسه أفضل مني.
حدثتها عن الضيق الذي يتملكني، لم أعد أستطع كتابة الشعر، ولم أعد أستطع الضحك، ولم أعد واثقا في نفسي، ولم أعد قادرا على مواصلة المسير، أشعر كأني مدمن يهرب من آلامه الجسدية والنفسية بمخدر مؤقت، ولا يستطيع مواجهة نفسه ولا مواجهة الحياة، ويطمح دائما للعلاج لكن لا يفكر فيه بسبب صعوبة طريقه.
حدثتها عن ضيقي من العباءة الفاضلة التي أرتديها، حدثتها عن رغبتي في البكاء وعدم قدرتي عليه.. حتى انغمرت في البكاء وأنا أضمها أكثر إلى حضني وهي صامتة، وتتمسك بي.

حاولت أن أنظر لها كثيرا في محاولة لحفظ ملامح وجهها، حتى تظل داخلي، وأعترف لها بمصائبي دوما، وأتعرى أمامها من كل ما يؤرقني.. وجدتني أمسك يدها بقوة كأني أقول لها: أخبريني أن مازال الأمل موجودا بيننا، أخبريني أني لازلت صالحا للحياة، أخبريني أني سأكمل طريقي وسأصحح مساري.

جذبتني تلك الفتاة من يدي، وقالت: "انت مستعجل صح؟ "
قلت لها: "دايما مستعجل.. لكن النهارده مش عاوز أستعجل"
قالت لي: "طيب ما تجري؟"
-: "تجري معايا"
-: "أنا أسرع منك"
أمسكت يدها وجرينا في نصف الميدان، وحاولنا المرور برشاقة بين المواطنين والسيارات والمِحال.. إلى أن نظرت إلى الساعة في منتصف الميدان ووجدتها تبشرني بضرورة السفر حتى ألحق بموعد العمل..
فقلت لها أثناء الجري: "تسافري معايا"
ردت بدون تفكير او تردد: "طبعًا أسافر"
أمسكت بيدها أكثر وظللنا نجري سويا متجهين إلى أقرب وسيلة تنقلني إلى مكان العمل.. ولا أعلم ماذا سأفعل بعدما نسافر سويا، كل ما أريده هو اقتناص تلك اللحظة فقط.


وجدتها فعلا سريعة في حركتها، ورشيقة جدًا، وأنا رغم عدم رشاقة جسمي أظن نفسي في منتهى السرعة إلى أن تلك الساحرة سبقتني حتى أفلتت يدها من يدي.. في تلك اللحظة شعرت أنها ستغيب عني للأبد.. سرعت خطواتي ومررت بين الناس برشاقة إلى أن وجدتها على بعد خطوة واحدة مني فاحتضنتها وضحكنا سويا.

وها نحن الآن أمام الحافلة التي ستنقلنا إلى مكان عملي، وأخطط لحديث سيستمر بنا ساعتين، ربما يكفيني النظر إليها دون التحدث، ولكنها تجذبني للكلام وتفك كل شفراتي وتدعوني لكسر الروتين ونزع القناع.

وفي تلك اللحظة سمعت صوت أمي وهي تنادي: «اصحى يا كريم الساعة 12 والظهر أذّن».. أدركت أن الحلم الجميل ينتهي وبعد ثواني سأفقد هذه الرائعة المؤلمة المبهجة، فقررت أن أقول لها جملة أخيرة: «ابقي زوريني كتير».

واستيقظت وأنا شاعرًا بالراحة والأمان والرضا والنشوى، أعشق الأحلام التي لا تعكر صفو مزاجي، ولا تذكرني بمشكلات الواقع، أعشق تلك الأحلام التي تجذبني رويدًا رويدًا في تفاصيلها، حتى أشعر لوهلة أن الحلم كان حقيقة.. أعشق الأحلام التي تترسخ في ذهني بإيجابية وتنسيني هموم الواقع ولو لفترات بسيطة.. أعشقها تلك الأحلام.

واليوم استيقظت غارقا في حالة من النشوى.. لأسأل نفسي: "لماذا لا تحدث مثل هذه الأحلام في الحقيقة؟ لماذا كل ما هو جميل ورائع أجده حلما في النهاية؟

الخميس، 3 ديسمبر 2015

خد فكرة ومتشتريش

كنت جالسا على أحد المقاهي أشرب فنجان من القهوة لأستطيع استكمال يومي بدون نوم، وأقرأ كتاب الدكتور أحمد عكاشة «الطريق إلى السعادة» وأنا أعيش حالة من النشوى وأتحثث هذا الطريق.

وفجأة.. جذبتني جملة شخص ما حينما قال: «خد فكرة ومتشتريش».. تلك الجملة التي سمعتها في عرض «1980 وانت طالع» مسبقا، ومن الصدفة أني كنت سأدخل العرض بعد ساعتين من تلك اللحظة.

هذا المشهد العبقري الذي جسّد معاناة الشاب «مندوب المبيعات»، وتصنّعه الابتسامة في وجه العميل، وتحمله الانفعالات والسخافات.. استعدت المشهد في ذاكرتي وانتظرت هذا الشخص حتى ينتهي من عرض خفايا حقيبته أمام الشخص الجالس على بعد أمتار منّي.

استمعت بإنصات للحديث المتبادل بينهما وخاصة بعض جمل مندوب المبيعات مثل: «الرزق بتاع ربنا، أنا مش ناعي هم حاجة، الحمد لله على كل شيء».

وجاء هذا الشخص ليعرض عليّ شراء «مفكات، وماكينات حلاقة كهربية، وكتيبات أطفال للرسم والتلوين، ومعطرات جو».. طلبت منه الجلوس وسألته عن الأسعار.. وجدتها مرتفعة نسبيا مقارنة بمثيلاتها التي أجدها مع الباعة الجائلين بالمترو.

ودار بيننا الحوار الآتي:
- بس مش الأسعار غالية شوية؟
- دي أسعار محدداها الشركة.. وصدقني عليها عروض، وانا ملزم بالأسعار.
- يا صديقي مفيش شركة واحدة بتنتج معطرات جو وماكينات حلاقة.. دي كلها بضاعة صيني بيصطادها الموزعين بأسعار كويسة، ويوظف حضرتك وغيرك لبيعها مقابل مكسب معين، وأي مكسب زائد عن المكسب المحدد ده فهو مكسبك.. فقلل مكسبك شوية بقى عشان أشتري
ابتسم هذا المندوب ورد قائلا: اللي انت عايزه يا فندم.

قررت شراء مفك ومعطر جو، وقبل أن يرحل هذا الشخص سألته:
- ما هو مؤهلك الدراسي؟
رد سريعا : مؤهل متوسط.. دبلوم يعني

ابتسمت أنا وتمنيت له التوفيق، واحترمت توديعه لي بابتسامة مماثلة.

أعجبني اعترافه الصريح بأنه يحمل مؤهل متوسط -مع احترامي لحملة هذا المؤهل- لأنه كان يستطيع أن يرتدي عباءة المثقف الحاصل على الماجيستير ولكن عبث الأقدار والاحتياجات الأسرية هي من أجبرته على تلك المهنة التي قد تكون غير لائقة بطموحاته وطاقته كشاب.

هذا الشخص ارتدى عباءة الإنسان «المستغني» مع العميل السابق، وردد بعض العبارات التي قد تدغدغ مشاعر أي شخص يسمعها وتجبره على التعاطف والشراء.

مثلما قد يرتدي عباءة أخرى مع عميل آخر، وألتمس له العذر في ذلك، فهو يريد الترويج إلى سلعته بكل الطرق المشروعة؛ في محاولة لكسب العيش.

ولكنه تخلى عن تلك العباءة معي، ربما لأنه شعر أني حتما سأشتري، أو لأني لسه في حاجة إلى التعاطف معه، أو ربما وجدني لن أصدق حديثه أيًا كان فلجأ إلى الصمت والتحدث في صلب الموضوع.

في النهاية.. 

دعونا نتقبل الآخر ولا نضطره لاصطناع الابتسامات وارتداء العباءات الكاذبة.

المجد للشقيانين.. المجد لفلان.. هاخد فكرة وهشتري